عباس حسن
326
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
فمثال « إلا » الواقعة صفة لجمع حقيقي هو نكرة حقيقية : سينهزم الأعداء ، فقد خرج لملاقاتهم جيش كبير ، إلا القواد والرماة . فلا يصح أن تكون « إلا » هنا حرف استثناء ؛ خشية أن يفسد المعنى ؛ إذ الاستثناء - كما شرحنا أول الباب - يقتضى أن يكون المعنى : خرج لملاقاتهم جيش كبير طرحنا ونقصنا منه القواد والرماة ، ولا يعقل أن يخرج جيش كبير دون قواده ورماته . ومثل : تتسع قاعة المحاضرة لجموع كثيرة إلا المحاضر ، فهي هنا - كما في المثال السابق - بمعنى : غير . ولا يصح أن تكون بمعنى « إلا » الاستثنائية ؛ لئلا يترتب على ذلك أن يكون المعنى : تتسع قاعة المحاضرة لجموع كثيرة طرحنا ونقصنا منهم المحاضر ، إذ لا يعقل أن تتسع قاعة المحاضرة للسامعين ، ولا تتسع للمحاضر ، فلا يمكن أن يجتمعوا لسماع محاضرة من ليس له مكان عندهم ، ومثل هذا قوله تعالى : ( لَوْ كانَ فِيهِما « 1 » آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ) ، فلو كانت « إلا » حرف استثناء لكان المعنى : لو كان فيهما آلهة ، ليس من ضمنها اللّه لفسدتا . ( أي : لو كان فيهما آلهة أخرجنا وطرحنا منها اللّه ، لفسدتا ) وهذا معنى باطل ؛ إذ يوحى بأنهما لا تفسدان إذا كان اللّه من ضمن الآلهة ولم يخرج ولم يطرح . وهذا واضح البطلان . بخلاف ما لو كانت « إلا » اسما بمعنى : « غير » ، نعتا للنكرة قبلها ؛ فإن المعنى يصح ويستقيم . ومثال : « إلا » الاسمية الواقعة نعتا لشبه الجمع الذي هو نكرة حقيقية أن تقول للخائن : غيرك إلا الخائن يستحق الصفح ، فكلمة « إلا » اسم بمعنى : « غير » ولا تصلح أن تكون استثناء لئلا يكون المعنى : غيرك من الخائنين يستحقّ الصفح إلا الخائن ، وفي هذا تناقض ظاهر . أو غيرك من الأمناء مطروحا وخارجا منهم الخائن يستحقون الصفح . والخائن ليس من الأمناء ، ولا علاقة له بهم حتى يستثنى منهم « 2 » . فإذا جعلنا : « إلا » بمعنى : « غير » صح المعنى واستقام وتعرب صفة لكلمة « غير » الأولى ، ولا يصح أن تكون حرف استثناء لفساد المعنى وتناقضه . . . ومثالها نعتا للجمع الحقيقىّ الشبيه بالنكرة : يخشى عقاب اللّه العصاة إلا الصالحون
--> ( 1 ) في السماء والأرض . ( 2 ) ولا يصح هنا جعل الاستثناء منقطعا ؛ لعدم وجود نوع من العلاقة أو الارتباط بين المستثنى والمستثنى منه . ( طبقا لما يقتضيه الاستثناء المنقطع ، كما سبق في ص 295 و 308 ) .